AlgérieFranceNewsكرونيك

كرونيك :64 سنة من بعد.. وماذا بعد ؟

ما زالت قضية العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعد مضي 64 سنة على اندلاع الثورة التحريرية الخالدة، تشكل مشكلة معقدة، ليس من السهل الخوض فيها، كما ليس من السهل تصور الحل الأمثل لها، ومرد ذلك يتضح من خلال القاعدة القائلة أن أي مصلحة لا يمكن بناؤها إلا من خلال مصلحة مقابلة، وفي حالة الجزائر-فرنسا، فإن هذه القاعدة تشذ، لأن الروابط التاريخية والثقافية قد تكون أقوى من المصلحة ذاتها، لكن واقع التاريخ والتطور يقول إنه على فرنسا أن تتنازل عن بعض الاعتقاد بالهيمنة والذي يمكنه أن يتجسد بالاعتذار عن جرائم استعمار الأمس، لكي تنطلق مصلحة الغد، أما الجزائر فينبغي عليها تغيير نظرة المغلوب عليه الذي تحدث عنه ابن خلدون وتحويلها إلى نظرة الغالب أو على الأقل المغلوب الذي قام من على البساط مستعدا لجولة جديدة.

كرونيك
64 سنة من بعد.. وماذا بعد ؟

محمد. ن   

ما زالت قضية العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعد مضي 64 سنة على اندلاع الثورة التحريرية الخالدة، تشكل مشكلة معقدة، ليس من السهل الخوض فيها، كما ليس من السهل تصور الحل الأمثل لها، ومرد ذلك يتضح من خلال القاعدة القائلة أن أي مصلحة لا يمكن بناؤها إلا من خلال مصلحة مقابلة، وفي حالة الجزائر-فرنسا، فإن هذه القاعدة تشذ، لأن الروابط التاريخية والثقافية قد تكون أقوى من المصلحة ذاتها، لكن واقع التاريخ والتطور يقول إنه على فرنسا أن تتنازل عن بعض الاعتقاد بالهيمنة والذي يمكنه أن يتجسد بالاعتذار عن جرائم استعمار الأمس، لكي تنطلق مصلحة الغد، أما الجزائر فينبغي عليها تغيير نظرة المغلوب عليه الذي تحدث عنه ابن خلدون وتحويلها إلى نظرة الغالب أو على الأقل المغلوب الذي قام من على البساط مستعدا لجولة جديدة.

المشكلة المعقدة اليوم في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، منذ أكثر من 50 سنة من استعادة السيادة الوطنية، ورغم كل التقدم المسجل في المجالات الاقتصادية والتجارية وغيرها والذي يراه الكثيرون غير كاف أمام الآفاق المرسومة مع تعاقب الحكومات الفرنسية، تكمن في كون المسؤولين الفرنسيين يرفضون عزل العوامل التاريخية والثقافية المسبوغة بالعاطفة عن العلاقات الثنائية المتبادلة، بحيث يعتقدون أنهم من خلال ما يرونه هيمنة ثقافية ولغوية سيمكنهم من تعزيز مصالح بلدهم في الجزائر، أما الجزائر فلا ترفض تعزيز هذه المصالح، بل ترى أنه من حقها الحصول على اعتراف بالجرائم البشعة التي ارتكبها الاستعمار طيلة أزيد من قرن، كما لا تنكر ما وقع للجندي الفرنسي هناك في تلك المعركة في ذلك الجبل الأشم، ومن هنا يمكن بناء الاقتصاد وتحقيق التطور في ظل علاقات ثنائية مميزة.

في الحقيقة، لقد تمكنت الجزائر بفعل مشروعية مطلبها، أن تجبر كبار المسؤولين الفرنسيين على غرار الرئيسين الأسبقين نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند والحالي إيمانويل ماكرون، على الاعتراف ولو ضمنيا بجرائم الاستعمار، وقال ماكرون في هذا الإطار « جرائم الاستعمار الأوروبي في إفريقيا والجزائر لا جدال فيها ». وأضاف ماكرون من واغادوغو خلال جولة إفريقية قام بها « كانت هناك أخطاء وجرائم وأشياء كبيرة وتواريخ سعيدة لكن جرائم الاستعمار الأوروبي لا جدال فيها، كما أن ذلك يشكل ماضيا يجب أن يمضي ».

السؤال الذي يطرحه المهتمون اليوم، وهم يؤكدون أن الاعتراف الضمني الذي تلطفه العبارات الأدبية والدبلوماسية، مثل تلك التصريحات التي أدلى بها ماكرون خلال زيارته الجزائر في عز حملته الانتخابية لرئاسيات قصر الإليزي، عندما قال « إن الاستعمار الفرنسي كان جريمة ضد الإنسانية »، هو هل بإمكان المصالح المشتركة التي أضحت تتجسد شيئا فشيئا أن تطوي ملف الذاكرة، أم الاعتذار أو ربما الاعتراف وحدهما كفيلان بذلك ؟.

لا يمكن إنكار التقدم المسجل في العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا سيما في إطار ما يسمى باللجنة الاقتصادية المختلطة الجزائرية-الفرنسية « كوميفا »، وكانت آخر الاتفاقات المبرمة والتي ستعطي دفعا جديدا للتعاون بين البلدين، شاهدا على ذلك، كما أنّ لا أحد يمكنه إنكار أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة الشراكة الصناعية، وهذا باعتراف الجانبين الجزائري والفرنسي.

انطلاقا من هذه المعطيات وبالنظر إلى طبيعة العلاقة التي تجمع هذا « الزوج غير القابل للانفصال »، تساؤلات كثيرة تطرح نفسها على آفاق مستقبل هذه العلاقة، بين صداقة ومصلحة، بين ثقافة وإرث تاريخي، عديدة هي نقاط التلاقي والافتراق، هنا لا يسعنا إلا أن نتساءل وبعمق «  هل أدركت فرنسا أنه بإمكانها التخلي عن الجزائر وأن الجزائر لا تريد سوى حقا تناشده مواثيق الأمم وضمائر الإنسانية ؟ ».

نحن أمام خصوصية جديدة يشكلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي تكمن في كونه أول رئيس يعترف ببشاعة وبربرية الاستعمار الفرنسي في الجزائر وقد دفع ثمن تلك التصريحات التي أطلقها خلال زيارته إلى الجزائر، حين وجد نفسه عرضة لهجوم كبير من لدن عدة أطراف و شخصيات و مسؤولين فرنسيين، وصلت حد اتهامه بالإساءة لبلده الذي يتحاشى فيه الكثير من السياسيين انتقاد الفترة الاستعمارية، بل إن عددا منهم يرون أن الاستعمار الفرنسي ساهم في نقل الحضارة إلى الدول المستعمرة.

لقد قال ماكرون « إن الاستعمار يشكّل جزءًا من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، لقد كان بربرية حقيقية »، مردفا بقوله « يجب على الفرنسيين تقديم اعتذار لمن تضرروا من هذا الاستعمار » وفي هذا الإطار كان دافيد راشلين، مدير حملة مارين لوبين، قد وصف تصريحات ماكرون بـ « غير المقبولة »، وبـ « الشتيمة في حق فرنسا »، متحدثا عن أن ما قاله ماكرون « أمر غير مسؤول لأنه ينعش خلافات قديمة لا ضرورة لإعادة إحيائها من جديد ».

أي مستقبل إذن للعلاقات الثنائية بين البلدين ؟ ما هو مصير الجرح الذي لم يندمل تاركا آثاره العميقة على ذاكرة لم تعد تقوى على الصمود أمام تعنت المسؤولين الفرنسيين المتعاقبين الذين لم يتخلصوا من عقدة « فرنسا الاستعمارية » ورهنوا كل طموح ببناء آفاق متينة تنظر إلى المستقبل ولا تنسى الماضي ؟ وأي أفق لهذا الالتئام ما دام الشرخ بين الأسرة الثورية عندنا وبين الجيل الجديد الذي يهجر الأطباء منه إلى مستشفيات باريس ومارسيليا، يتسع ويتسع حتى التمزق ؟.

Montrer plus

Articles Liés

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Fermer
Fermer
%d blogueurs aiment cette page :