AlgérieNewsكرونيك

كرونيك محمد. ن : القهواجي الشهيد

كرونيك
محمد. ن

“القهواجي الشهيد”

بينما الجميع جالسون على كراسيهم حول طاولات مبعثرة داخل هذا المقهى الراكن في قلب الحي العتيق، وبينما “القهواجي” الزوالي يغدو يمينا وشمالا يجر همومه بين نظرات احتقار تارة ورأفة تارة أخرى، هو يعلم أنه لن يكون أبدا واحدا من هؤلاء “المشتارية” يتكلم لغتهم ويجلس ويلبس ويأكل مثلهم ويسمع موسيقاهم، يعلم أنه لن يصرخ مثلما يصرخون ولن يهمس مثلما يهمسون ولن يجادل مثلما يجادلون ولن يتكاسل مثلما يتكاسلون ولن يعبر الطريق المحاذي للمقهى مثلما يعبرونه هم، مقتنع هو أنهم أذكى منه أو كما يعتقدون، إنهم “ولاد لبلاد” وهو “الكافي” أو “القليط” الذي ترك دشرته وعائلته، والده ووالدته وأخته المعاقة وجدته الضريرة وإخوته الصغار الذين يتحدث معهم كل مساء عبر “الفايبر” يعدهم هدايا وألبسة وأشياء أخرى وعبر “المسينجير” يشكو ضعف حاله لأخته الكبرى المطلقة التي أصيبت لتوها بسرطان الثدي وعليه أن يجيء بها إلى مصلحة “بيار” و”ماري كوري” لإجراء الفحوصات الضرورية ومن ثم الخضوع لعملية بتر النهد المصاب قبل سلسلة العلاج الكيماوي “شيميو تيرابي” وانتظار بعد ذلك إرادة العزيز القدير، إما الشفاء وإما الموت على نار هادئة، الموت بين بيروقراطية المصالح المختصة وتهاون القائمين على تلك المصالح التابعين لقطاع أصيب منذ أمد بعدوى “الطاعون” و”البوحمرون” و”الكوليرا” وكل الأمراض الفتاكة التي استعصت حتى على الرقاة و”الشوافات” و”القزانات”.

بينما هو وسط هذه الدوامة القاتلة، تملكه شعور الوحدة واليأس والحزن، وأدرك أن قدومه إلى العاصمة لم يكن هو الحل، لقد أقنعوه عندما كان في بلدته، أن العاصمة وجهة لربح المال الوفير في أقل من سنتين أو ثلاث، نعم “في العاصمة ندخلو بزاف الدراهم” لأن “ولادها” لا يعملون في أي مجال، لا في المقاهي ولا في الحلاقة ولا في الإطعام ولا في التنظيف، مجالهم الوحيد هو “الباركينغ” حيث يقبضون مالا كبيرا كل يوم من الصبح حتى المساء، ولكن صديقنا “القهواجي” لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يقتحم الحي ويحرس سيارات ساكني الحي ولا حتى عابري الشارع من أصحاب الإدارات والبنوك وغيرهم، وبالتالي لن يتمكن من ربح المال الوفير لشراء هدايا لإخوته وتنورة لوالدته وحذاء لوالده وخمار لجدته ولن يتمكن من شراء كرسي متحرك لأخته المعاقة ولا علاج شقيقته المريضة التي قالت له مساء أمس أنها خائفة جدا من فقدان رمز أنوثتها خاصة بعد أن علمت أن ابن أخ إمام المسجد الصغير في البلدة، الذي توفيت زوجته جراء الفيضانات التي تسببت فيها الأمطار الطوفانية السنة الماضية، يفكر في الزواج منها، لكنه قد يصطدم بحقيقة الثدي الواحد فيطلقها بلا رجعة.

انهالت على صاحبنا “القهواجي” الحقائق والأفكار، نظرات “المشتارية” زادته حزنا على حزن، وفي خضم كل ذلك الأسى، ساد الهدوء المكان، فأبناء العاصمة يجيدون صناعة الضجيج بكلامهم كما يتقنون إجراء الأحاديث في هدوء تام يستعصي على “البراني” بينهم فهم ما يقولون… لكن أذن “القهواجي” انصرفت ببطء شديد نحو طاولة كانت قابعة في أحد أركان المقهى وأجبرها على استراق السمع من هؤلاء الفتية الذين أحضر لهم منذ قليل ما لذ وطاب )قهاوي حليب، كرواسون، ميلفاي، ليفراز، عصير البانان( وأكثر من كل ذلك أرسلوه يبتاع لهم علب سجائر “مارلبورو” قبل أن يحضر لهم “قهاوي بيان سيري”. وبينما هو كذلك يتظاهر بأنه لا يعير لهم أدنى اهتمام، سمعهم يهمسون الواحد للآخر “منين نقلعو؟، آواه على دلس الدونجي يا خو، واش رايكم في عنابة كاين حبيبنا يعرف يتهلا؟ السومة مليحة والفلوكة أنتيك ولافير مضمونة خو، لا لا؟ جابلي ربي نروحو على مستغانم، ديراكت لأليكونت، نخلصو شوية زيادة، بصح باي باي الدزاير…..”.

بهت “القهواجي” وسبقه لسانه بالسؤال “وين جات أليكانت خاوتي؟”، فأجابه أحدهم “راهي غير هنا برك، واش راك حاب تحرق؟ تعرف تعوم باش تحرق؟” وبينما هم يضحكون ويستهزئون رد عليهم بلغة الواثق من نفسه “انتوما تعومو في البحر وانا نعوم في الباراج” وقص عليهم قصة صديقه الغريق الذي توفي داخل بركة مائية قبل سنوات عندما كانوا صغارا يبحثون عن الاستجمام من فرط حرارة الطقس وكان البحر يبعد عن بلدتهم بمئات الكيلومترات وليس لديهم أية وسائل للوصول إليه أو إلى أقرب مسبح في الولاية القريبة من بلدتهم بـ200 كيلومتر، فتفاعل الفتية مع “القهواجي” وساد الصمت لدقائق معدودة، قبل أن يبادره أحدهم بالسؤال “راك حاب تحرق تاع الصح، عندك العط؟”.

سكت القهواجي، رفع عينيه إلى سقف المقهى، ثم أجاب “أنا عليا نص السومة تاع مول الفلوكة، وانتوما ما تخلونيش”، فضرب له كبيرهم موعدا بأحد شواطئ مستغانم، وانطلق الجميع على متن قارب خشبي مزود بمحرك “ياماها” وبعد بضع كيلومترات عندما كانوا في عرض البحر، توقف المحرك وغشت السماء بسحابة كثيفة وهبت ريح شديدة فانقلب الزورق الخشبي، واضطر الفتية للسباحة وسط الأمواج العاتية حتى طلع النهار وكانت زوارق حراس السواحل الإسبانية تجوب المياه وأنقذوا الفتية من الموت المحقق، وأجهضوا محاولة هجرة غير شرعية لهؤلاء الشباب، وبينما عملية الإجلاء تسير ببطء، طفحت جثة إلى سطح الماء، إنه “القهواجي” لم يتمكن من الصمود، فالبحر ليس مثل “الباراج” ولا مثل النهر ولا الوادي.

لن تفرح الأم بتنورتها، ولا الأب بحذائه، ولا الإخوة بهداياهم، ولا الجدة بخمارها، ولا المعاقة بكرسيها ولن تحصل المريضة على موعد للعلاج من المرض الخبيث، أما “القهواجي” فقد مات، يبكيه أهله دهرا، تسميه السلطات مهاجرا غير شرعي ويسميه المجتمع غريقا، ولكن هل من أحد يسرد قصة هذا الشاب الجزائري؟ نعم، سيحكيها التاريخ، سينصفه التاريخ وسيقول إن “القهواجي مات شهيدا”.

Montrer plus

Articles Liés

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Voire aussi

Fermer
Fermer
Fermer
%d blogueurs aiment cette page :