AlgérieNewsالڨوّال...

الڨوّال : البارح كان في عمري….عشرين

هكذا كنا في العاشرة من العمر في سوسطارة...في قصبة مدينة الجزائر... وقتذاك، كانت العاصمة وكل الجزائر تبتسم مثلما ابتسم في هذه الصورة وتتطلَّع إلى الأفق...

الڨوّال
البارح كان في عمري….عشرين

فوزي سعد الله

هكذا كنا في العاشرة من العمر في سوسطارة…في قصبة مدينة الجزائر…
وقتذاك، كانت العاصمة وكل الجزائر تبتسم مثلما ابتسم في هذه الصورة وتتطلَّع إلى الأفق…

كانت تلك المرحلة من تاريخ الجزائر المستقلة حديثًا حقبةَ هواري بومدين والخُطط التنموية الضخمة والتعليم المجاني ومحو الأمية والعلاج المجاني ونُصرة المظلومين في العالم وقيادة العالم الثالث ضد الإمبريالية والإيمان العميق بأن حرية فلسطين على الأبواب كحرية جنوب إفريقيا وموزمبيق وكل البلدان المغتصَبة من طرف الاستعمار مهما كانت قوته وجبروته….كانت الجزائر كبيرة بقوتها الأخلاقية المبدئية.
في سوسطارة وما جاورها ، كان أبطالُنا، وغالبيتهم اليوم في ذمة الله، هم حميد شيبان والحاج معروف وعبد الغنِي مارْسَالِي وهم من رُفقاء جميلة بوحيرد وعلي لابوانتْ خلال الثورة التحريرية، وأيضًا تادِيلُو وحمُّود فِيفَا وحْسِيسَنْ مانْيوسْ وبوعْلام شِيطوحْ والإخوة الزَّرْدِي ورِضا بطاطا وعلي بَسْباسْ ومُولُودْ الرُّوجي والسَّعيد النَّفَّة وبوعلام آبُّولاَ وسَعيدُو ولالْماسْ ومصطفى القَرْعَة، بمعنى الأصْلع، وبوعلام رحمة وكذلك الشيخ نور الدين والحَبيب في الباب الجديد…وكان من بينهم المجاهد بطل الكفاح المسَلَّح ضد الاستعمار، والفنان وصانِع الآلات الموسيقية، والمُلاكم ولاعب كرة القدم، والتَّائِه في الحياة إلى حدِّ التشرُّد، و”الهُوزِّي” الشَّهم الذي يَملك شجاعة المخاطرة بحياته في القضايا المرتبطة بالأنفة والشهامة والشرف…
أيامُنا كانت بسيطةً، لكنها ببساطتها كانت حيويةً ودافئةً وثرية مليئة بالأحداث والمغامرات والمفاجآت ومُسَيَّجَة بِقيَم كَبيرة في نُبلِها يَسْهَر على ترسيخها رِجال الحيّ مهما كانت خِصالهم أو عيوبهم…
يوميًا، بعد المدرسة وقراءة جريدة “الشعب” مع الوالد والحديث عن “مرآة” طه حسين التي أحدَثَتْ ضجة أدبية وإعلامية في تلك الفترة وأخبار المقاومة الفلسطينية المتوالية من جنوب لبنان، كان عالمنا منقسمًا بين كرة القدم في “الجْنَيْنَة” أو في “الشّْجِيوْرَاتْ”، وسينما “الجمال” وشواطئ وخُلْجَان باب الوادي والرايس حَمِّيدُو: من “الرُّوشِي كَارِي” حتى “لا بْوَانْتْ بِيسْكَادْ”…
قد لا تُصدِّقوني إذا قلتُ لكم إنني آنذاك كنت دومًا أحْمِل خارج البيت، كالكثير من الأطفال والشباب حينذاك، “المُوسْ” للدفاع عن النفس، ولا أحد كان يعرِف ذلك حتى هذه اللحظة باستثناء بضعة أصدقاء يُعدُّون على أصابع اليد…فسوسطارة لم تكن حومة سَهلة إلى غاية منتصف الثمانينيات وكانت تقتضي الأخذ بحد أدنى على الأقل من الاحتياطات الأمنية. ودامت حالة الاستنفار هذه قرابة سنة ثم تَخليتُ عنها بسبب تعقيداتٍ خطيرة وبعد فرض الاحترام والذات ضِمْن جماعَتي.
في العاشرة من العمر، كنا جميعا مُدمنين على أفلام سينما الجَمال التي كانت تَفْقِدُ تدريجيًا ما تَبَقَّى لها من جَمال. نجومنا كانوا الهِندي شَاشِي كابُورْ بطل الفيلم الشهير “جَانِيتُو” وشقيقه سامي كابور، وكذلك المصريِّين محمود ياسين ونور الشريف ومحمد عوض وحتى فريد الأطرش، مثلما كنا منبهرين بكْلاَينْتْ إِيسْتْوُودْ ومسدّساته وقساوة نظرته التي لم تَكن تختلف كثيرا عن قساوة نظرات “الهُوزِّيَّة” الحادّة في قصبتنا. وكان من بين نجومنا الجزائريين “عُمَر قتلَتُو” الرَّجلة للمخرج مرزاق علْواش، وكان “عُمر” سفيرنا والناطق باسم نَمَط حياتنا كنُسخة فتية لِنموذج دحمان الحَرَّاشِي الفنان الشهير…
الموسيقى كانت هواؤناوإيقاعها وتيرة حياتنا اليومية. كنا نصغي لـ: “أُوهْ أُوهْ يَا أنْتِيَّا” لِبوجمعة العَنْقِيسْ ولـ: “ادْعِ لي بالخير يَا المّيْمَة، ادْعِ لِي بالخير” لِبوعلام رحمة وهو ابن حومتنا وخبّازنا ولـ: “خَبِّي سَرَك يالغافل واقْرَأ حذْرَكْ…” للحَرَّاشِي…وكانت هذه الأغاني لدينا أشبه بنشيد وطني من حيث قوة وعمق اختراقها لنا كبارًا وصغارًا… عمرو الزّاهي كان لا يزال في بداية نجاحه الشَّعبي يُغني للكعبة: ” يا من درى نشوف الكعبة بعياني” ويبكي الغالي الذي ذهب دون رجعة “راح الغالي راح” لِمحبوب بَاتِي. بينما، من بين كل هؤلاء، يَبقى الحاج مْحَمَّد العنقاء خلال تلك الفترة “الكاردينال” في مجاله بلا منازع الذي يُصْغَى لِغنائه كما يُُصْغَى للخطيب في المسجد أو للرّاهب في الكنيسة.

ذات يوم، وأنا مارّ أمام قهوة مالاكوف القريبة من جامع كتشاوة حاملاً معي قيثارتي، أوّل قيثارة اكتسبتُها وبِعرق جبيني، ناداني الشيخ المرحوم عُمر مَكْرَازَة، وما أدراك ما عُمَر مَكْرَازَة آنذاك ولو أنه لم يَعُدْ يَكَدْ يَعرِفه أحدٌ اليوم، واقترح عليَّ بعد معاينَتِها أن ابيعَه إياها. كدتُ أطير من الفرحة وصديقي الذي كان يرافقني ابن حوْمة “الزوج عْيون” اندهش، لأن القيثارة التي تَعْجب أحدَ كبار الفنانين حينذاك وأحد أقرب المقرَّبين من الحاج مْحمَّد العنقاء لا بدَّ أنها قيثارة عظيمة حتى لو كانت لا تساوي بَصْلَة…فازداد اعتزازي وتَشَبُّثِي بها وامتنعتُ عن قبول العرْض وقلتُ له بِثقةٍ وكأنني أملك كنوز القصبة والداي حسين: هذه قيثارتي أنا، وهي ليست للبيع…حَكيتُ هذه القصة لكل الأصدقاء وكانّها فتحٌ مِن الفتوجات الإسلامية.

حينها لم أكن أعزف أكثر من أغنية واحدة وحيدة، وهي “يا صاحب الغمامة يا ضياء عيني، نرجاك يوم القيامة لا تسلّم فيَّ”، وكنتُ بدأتُ التمرُّن على ثانية هي “عليك الهناء والضمان” لِعزِيوَزْ رايسْ..

من ذكريات هذه الفترة من الطفولة أيضا، حَدَثَ صدفةً في يوم من الأيام، وأنا خارج لِتوي من المدرسة المُحاذية “الشهيد بن شرقي بركة/مايس سابقًا، أن طُلِبَ مني المشاركة في مباراة كرة قدم بين فريقيْن أكبر مني سنا بنحو 10 سنوات كحَارس مرمى. ليس لأنني كنت حارسًا مثل عَبْروق أو آيت موهوب آنذاك بل لأن لا أحد قَبِلَ بحراسة المرمى لأنه دور مُمِلّ، فاستُعمِلتُ لِسدِّ الثغرة. كان من بين عناصر هذه المباراة التي دَفَعَ فيها كل لاعب 50 سنتيمًا، وقولوا قمار أو قولوا ما شئتم فهكذا كُنا نلعب، أحد سُكان الحيِّ ولاعب مولودية الجزائر سابقًا عظيم زمانه علي بن الشيخ. ولن أقول لكم “إذا لم تُصَدِّقُونِي، سَقْسُوا بن الشيخ” مثلما يقول هو عادةً “إذا لم تصدقوني، سَقْسُوا مصطفى” قاصدًا رابح مَاجِرْ.

لَعبنا بـ: 50 سنتيمًا لِكل لاعب، وتم الدفع مكاني، لأنني ما كنت أمْلِكُ هذا المبلغ الخطير آنذاك بالنسبة لِطفل في السنة الثالثة ابتدائي مِثْلِي وفي وقتٍ كان فيه ثمن الخبزة “البَاقِيطَة” لا يَتجاوز 35 سنتيمًا وزجاجة قازوز حمُّود بوعلام بـ: 1 دج…

في نهاية المباراة، كان لا بد من الاغتسال حتى نُخفي آثار اللعب العنيف والوسخ في عين مَحْشَاشَة أو في عين حومة قهوة العْرِيشْ في القصبة العليا، ثم ندخل إلى الدار وكأننا ملائكة خارجين لِتَوِّنَا من الجَنَّة، لتبدأ بعدها ساعات مراجعة الدروس والقيام بالواجبات المدرسية تحت المراقبة الصَّارمة للوالد والإصغاء للنصائح والتوجيهات والتعليمات التي لا تُناقَش بل تُنَفَّذ فقط، وهي عملية كبيرة ومضنية طويلة المدى والنَّفس لترسيخ العِلم والقَيِم: أكبر تَرِكَة وأهمّ منارة يتركها الأولياء للأبناء…أفضل من مال قارون وربراب…وهي من المكاسب الحلال.

هكذا كنَّا… لنا حياة للبيت وأخرى للشارع، وكان يتعيَّن علينا إيجاد الصيغة المثلى للموازنة بين الاثنين: التمسك بالنموذج المثالي الذي نتلقاه في البيت والمدرسة وحتى في الجامع وضمان المواقع وفرض الاحترام في مجتمع الحومة والحومات المجاورة…صَدِّقُونِي لم تكن مسألةً هيِّنة ولا سهلةَ المَنَال…اسألوا، بل “سَقْسُوا” كما يقول علي بن الشيخ، الذين أخفقوا…

Montrer plus

Articles Liés

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Fermer
Fermer
%d blogueurs aiment cette page :